ليس مهماً اذا كان التقرير الذي نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية امس حول مضمون لقاء ثنائي قالت انه جمع الرئيس جورج بوش ورئيس وزراء اسرائيل ايهود اولمرت في 14 أيار (مايو) الماضي صحيحاً ام لا. المهم هو الطريقة التي ستتصرف بها ايران حيال ما جاء في هذا التقرير حول اعتراض الرئيس الاميركي على طلب اولمرت الموافقة على توجيه ضربة عسكرية اسرائيلية الى المنشآت النووية الايرانية، علماً ان الناطق باسم اولمرت نفى امس ان يكون رئيس الوزراء الاسرائيلي وجّه مثل هذا الطلب الى بوش، وأكد مجدداً ان «اسرائيل تفضل الحل الديبلوماسي لهذه القضية، لكن كل الخيارات يجب ان تبقى على الطاولة».
معروف أن أي ضربة اسرائيلية لا يمكن ان تتم الا بموافقة اميركية، لأن طريق الطائرات الاسرائيلية الى مواقع المفاعلات الايرانية سوف تمر في اجواء تقع تحت السيطرة الاميركية (اقربها الى ايران هي الاجواء العراقية)، فضلاً عن حاجة اسرائيل الى استخدام السلاح الاميركي في أي عملية من هذا النوع. لهذا فإن المنطقي هو اعتبار أن أي عمل عسكري ضد ايران اصبح في حكم المستبعد خلال ما تبقى من ولاية الرئيس بوش، وهو ما تقول «الغارديان» ان بوش أفهمه بوضوح لمضيفه الاسرائيلي. يزيد في استبعاد هذه الضربة ان الصورة السياسية في اسرائيل تغيرت، وما كان يمكن لحكومة اولمرت ان تعتمده ضد ايران ليس ضرورياً ان يكون هو ذاته ما ستعتمده تسيبي ليفني، اضافة طبعاً الى التغيير الذي سيطرأ على المشهد السياسي الاميركي.
من السهل ان تقرأ ايران في التقرير المشار اليه انتصاراً لسياستها القائمة على التصعيد ورفض تقديم التنازلات في الملف النووي. فقد راهنت طهران منذ البداية على أمرين هما في أساس الحجة التي اعتمدها الرئيس بوش لإبداء تحفظاته على الضربة الاسرائيلية: ان الولايات المتحدة تتحسب لاحتمالات الرد الايراني، ليس ضد اسرائيل وحدها، مباشرة او من خلال «حزب الله»، بل ايضاً ضد المصالح الاميركية في الخارج وداخل الاراضي الاميركية، وهو ما تسعى ادارة بوش الى تجنبه منذ هجمات 11 سبتمبر، وما يمكن ان يشكل تكراره هزيمة كاملة لحربها المعلنة على «الارهاب». اما الأمر الثاني في حجة بوش فهو صعوبة نجاح اي ضربة عسكرية في القضاء على المنشآت النووية المنتشرة في اكثر من موقع في ايران، الا اذا تطورت هذه الضربة الى حرب مفتوحة من الصعب تقدير المدى الذي يمكن ان تمتد اليه وانعكاساتها على المصالح الاميركية بشكل يفوق ما واجهته هذه المصالح نتيجة الاحتلال الاميركي للعراق. وبديهي ان حرباً من هذا النوع سوف تؤدي الى تدخل اميركي على نطاق واسع حتى لو بدأت بضربات اسرائيلية منفردة. وفي هذا لا تصح المقارنة مع الضربة الاسرائيلية لمفاعل «اوزيراك» العراقي، الذي لم يحرك تدميره اي رد فعل واسع من جانب نظام صدام حسين.
هذا «الانتصار» الإيراني بمعناه وابعاده الاستراتيجية هو ما يجب ان تتوقف المنطقة عنده وتتنبه اليه، ليس لأن هذه الدول تعتبر ان من مصلحتها توجيه اسرائيل ضربة عسكرية لإيران، طالما حذرت هذه الدول من مخاطرها وانعكاساتها، بل لأن تجارب «الانتصارات» السابقة لايران وحلفائها غالباً ما انعكست مزيداً من التشدد من جانب طهران حيال من تعتبرهم «حلفاء» المشروع الاميركي الاسرائيلي المصاب بـ «الهزائم» على يدها، وبالتالي مزيداً من التفكك في الاوضاع الداخلية في مختلف انحاء المنطقة العربية، ولبنان وفلسطين خير شاهدين.
أفضل من حديث الضربات العسكرية هو من دون شك التفاوض مع ايران حول برنامجها النووي، كما دعا المدير العام لوكالة الطاقة محمد البرادعي امس، متسائلاً: «اذا كانت الولايات المتحدة تجلس الى طاولة تفاوض مع كوريا الشمالية ونظامها الذي لا يعتبر ديموقراطياً والذي يملك اسلحة نووية، فإنني لا افهم لماذا لا يمكنها التفاوض مع ايران». غير ان المشكلة ليست، كما يعرف البرادعي، في النوايا الاميركية وحدها، بل في عدم استعداد ايران للكشف بشفافية عن برنامجها النووي، ووكالة البرادعي كانت اول الشاكين من التعامل مع الحكومة الايرانية الحالية ومن صعوبة التأكد من اهداف خططها النووية!