سحبت السيارة المفخخة على الفور التي انفجرت بالقرب من حي السيدة زينب، وهرع موظفو تليفزيون سورية بسرعة لبث شهادات أشخاص أطلوا على الشاشات يحكون فداحة الانفجار وشدته وتأثيره على البيوت المجاورة، وبثوان كان الستار قد أغلق..
وقبل أن يكتمل الخبر لدى الوكالات كان إبراهيم دراجي أستاذ القانون الدولي في جامعة دمشق يغرد خارج السرب التقليدي.. "إسرائيل" ليست المتهم الوحيد، قال الرجل: "السوابق التي كانت تحدث في سوريا كانت تفضي دائما إلى دائرة إسرائيل وبعض الجهات التي تسيء فهم الإسلام (..) لكنه من المبكر جدا التكهن. علينا أن ندرك أن سوريا مستهدفة سواء من دول تتعارض مصالحها معها وتضررت من المواقف السورية في ملفات لبنان وفلسطين والعراق أو أجهزة استخبارات وجماعات أخرى تجد أن لها مصلحة في زعزعة الأمن والاستقرار في سوريا"..
عملية استخبارية متكاملة الأبعاد والأركان إذن؛ فغيمة الغموض تظللها وقد أريد لها أن تكون كذلك، ووزير الداخلية السوري اللواء بسام عبد المجيد يتحدث على الفور عن تحقيق وحدة مكافحة الإرهاب في تلك الجريمة، وهي وحدة لم يسمع عنها في قضية اغتيال القيادي في "حزب الله" عماد مغنية التي لا يبدو أن وحدة مكافحة الإرهاب قد تدخلت في حل طلاسمها.
المسؤولون الرسميون وغير الرسميين قالوا إنها عملية "إرهابية" وهي إشارة لا تومئ إلى "إسرائيل" بصورة مباشرة أو على الأقل تفتح شهية المحللين باتجاه آخر.. لا غرو، دعونا نساعد المحققين:
عملية كهذه من الممكن أن تكون استهدفت عميداً في الاستخبارات قتل بطريقة غامضة ـ وذلك وفقاً لمعطيات صحفية وردت أمس ـ، كمثل تلك التي اغتيل بها الجنرال السوري العميد محمد سليمان في طرطوس، في بداية أغسطس الماضي، وهو ما يمكن أن يدخل ضمن إطار صراعات الأجهزة الأمنية أو يكون اغتيالاً من خارج النظام، وفي الحالين قد ينسب إلى متشددين.
وقد تكون عملية كهذه قد استهدفت رمزية حي السيدة زينب الذي أضحى مزاراً للعراقيين الشيعة والمتشيعين الجدد في سوريا، وهو ما يمكن إلقاء التبعة عليه كذلك إلى الناقمين من هذا الانتشار الشيعي في المنطقة أو ممن يريدون إلصاق هذه التهمة بناقمين افتراضيين، وهو ما يقرأ من بين سطور الوزير السوري حين قال: "المكان المستهدف طريق عام بين مطار دمشق وتحديدا مفرق السيدة زينب ومنطقة القزازين, وهناك عدد كبير من القادمين والمغادرين وللأسف الضحايا كلهم مدنيون".
وربما كانت تلك رسالة إيجابية وصلت إلى العواصم المعنية جميعاً بخدش العلاقة المتينة بين طهران ودمشق، لاسيما بعد الرسائل الإعلامية المتعددة التي وصلت من خلال تسريب المعلومات حول أمن قادة الفصائل الفلسطينية وناشطيها البارزين في دمشق، والتي قد تكون بلغت حد التهديد بفقدانهم حياتهم إن بقوا في سوريا، أو التلويح للمفاوض الآخر بأن أيامهم قد صارت معدودة.
وحيث حرك الجيش السوري جحافله باتجاه الشمال اللبناني، تحت طائلة مكافحة التهريب والإرهاب بالتبعية، وإذ أطلق الرئيس السوري بشار الأسد تحذيره من الخطر السلفي في طرابلس، مميطاً اللثام عن بعد طائفي يصنع القرار السوري الذي بات عليه ـ طبقاً لذلك المفهوم ـ أن يحمي علويي (نصيرية) جبل محسن في مقابل السلفيين "الإرهابيين" الذين "استفحل خطرهم بأكثر من العدو الصهيوني" الذي أمكن إيجاد تفاهمات مشتركة معه حدت بالرئيس التركي إلى إبلاغ نظيره "الإسرائيلي" قبل أربعة أيام بـ"جدية سوريا حول إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل"؛ فإن احتمال "عبور هؤلاء الإرهابيين" للحدود التي تخشى دمشق من "تهريب" المتفجرات و"الإرهابيين" إليها، وحدا بها إلى صف 10 آلاف مقاتل على حدودها مع "السلفيين"، قد أصبح وارداً وها نحن إذن نشهد أولى حلقاته الرعيبة!! ما يعني تالياً ضرورة تأمين الجانب الغربي من الحدود أيضاً لتحقيق ذلك، علماً بأن مقر الاستخبارات القريبة من مكان الانفجار الاستراتيجي تضم آلافاً من العناصر العلوية أيضاً!!
نعم بالتأكيد؛ فإن نظام الصمود قد غدا أكثر "نضوجاً" إذ لم يعلق شماعة الانفجار على مشجب "الإسرائيليين" ولم يتورط في اتهامهم بـ"الإرهاب" لأن دولاً وأجهزة أخرى ربما لها مصلحة في زعزعة استقرار سوريا أكثر من "الإسرائيليين"!!
لنساعد المحققين أكثر، وهم المعنيون أصالة بشؤون "الإرهاب" الذي أنتج في الحقيقة خيطاً بين الشد والجذب مع جماعات يعبر عناصرها باسم الجهاد شرقاً وغرباً، ما جعل سوريا تعد لفترة معبراً إلى العراق ولبنان لا يصيبه بذاته أي مكروه إلا حالما بدأ الرجل الثاني في تنظيم القاعدة يشكو من بلدان طالما خرجت عن دائرة استهداف تفجيراته ولم تصب عواصمها شظاياه.
احتمال آخر، وإن لم يرق لوحدة مكافحة الإرهاب الجديدة، وهو "إسرائيل"، وهو احتمال قد يكون صحيحاً بعد أيام من تأجيلها الجولة الخامسة من المباحثات غير المباشرة مع سوريا التي كانت مزمعة يومي 18 و 19 سبتمبر الحالي، ولا بأس من وضعه بالاعتبار ولو كان في حس الوحدة قد يكون ضعيفاً لكن لـ"إسرائيل" حساباتها التفاوضية ولو على حساب الأبرياء..
احتمالات متضاربة لكن قاسمها الأكبر يعود إلى ما بدأنا، حينما سحبت السيارة لضمان مرور أيسر في مكانها وخرج "المواطنون" إلى الشارع يتحدثون عن أثره المدمر، وتولت وحدة مكافحة الإرهاب التحقيق..
وفي الأخير، تعازينا لمن قتل مظلوماً من أهلنا في سوريا الإسلام والعروبة والنجابة.. أما النظام فهو يعلم بالتأكيد أن لـ"السلام" ثمناً، سوف لن يدفعه هو، مثلما دفعه السادات الذي كانت أبواق "الصمود والتحدي والممانعة" منذ ثلاثة عقود تنعته بالخيانة، حياةً ودماً..