يرى بعض ضعاف النفوس أن الرجولة تكمن في المال أو السلطة أو الجبروت والتسلط والقمع ؛ والبعض الآخر يرى أن الرجولة تكمن في سعة الصدروالقدرة على الحوار مع الآخر ؛ وتقدير رأيه وإحترام الآخرين مهما كان الإختلاف الفكري بين الطرفين .
إن مفهوم الرجولة يرتبط بعوامل مختلفة منها الثقافية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية والدينية ؛ ويختلف هذا المفهوم من شريحة إجتماعية إلى اخرى ؛ كما يلاقي هذا المفهوم تباينا من خلال البنية السليمة للإنسان .
وإذا تحدثنا بشكل عام نقول أن للرجولة مفهومين ؛ المفهوم الإيجابي والمفهوم السلبي .
المفهوم الإيجابي : هو ذلك المعنى المرتبط بالسلوكيات الحميدة والراقية والتعامل الحضاري مع المجتمع والتحلي بالقيم النبيلة والإستعداد للتضحية من أجل الشعب ؛ والمنح والعطاء والتفاني في أداء الواجب والشعور بالإنتماء الوطني والقومي .
المفهوم السلبي : ينطبق على نماذج من الناس يمارسون الظلم على الآخرين ؛ والدجل والنفاق والتسلق ؛ متسلطون ؛ لا يتورعون عن خداع الناس ؛ ويستخدمون القوة للسيطرة على من هم أضعف منهم بدنيا (( إنها رجولة طاغية تقوم على استبداد الناس وسلب الشعب حريته ؛ وترّوج لتفشي الفساد لتهيمن على مقدرات الأمة )) .
اللحقيقة إن الرجولة عمل أخلاقي بالدرجة الأولى ؛ وحينما نصف رجلا بأنه عديم الرجولة فقد يأتي هذا الوصف من الرجال والنساء على السواء وهذا يعني أنه لا إنساني .
فالرجل الحقيقي هو ذلك الإنسان الذي يحمل بداخله مساحة كبيرة من الحب والتفهم والقدرة على الحوار ؛ والإعتراف بخطئه إن أخطأ ؛ إضافة إلى العطاءغير المحدود والحرص على الأمة وعلى الشعب والإنتماء الصادق للشعور القومي والوطني .
وكل ما أتطلع إليه هو أن يعترف النظام السوري بأنه بعيد كل البعد عن مفهوم الرجولة ؛ وعلى الحاكم على الأقل أن يتحلى بمثل هذه المفاهيم . فالحديث عن نهج الإصلاح يعني الحديث عن القائد الذي ينهج هذه القيم وهذه الأفكار ؛ ويعني ذلك الحديث عن رجولة معطاءة حريصة كل الحرص على الشعب والوطن . والحديث عن القمع ومصادرة الحريات يعني الحديث عن الحاكم الذي يمارس هذه الأفكار من خلال رجولة طاغية مستبدة .
إن للموروث الشعبي تأثيرا سلبيا في مفهوم الرجولة ؛ إذ ربطه بالذكورة ؛ وخاصة أن المجتمعات الشرقية هي مجتمعات تميز الذكر وتجعل له قيمة اجتماعية أكبر من المرأة وهذا من علامات تخلف المجتمعات ومخالفتها للأديان السماوية التي كرّمت المرأة ومن أبرزها الدين الإسلامي الحنيف إذ جعل للمرأة مكانة بارزة وأعطاها دورا واضحا في المجتمع .
إن مفهوم الرجولة إرتبط في عقلية الإنسان الشرقي بالذكورة ؛ وعلى الرغم من أن ذلك صحيح من الناحية النوعية والفسيولوجية ؛ الاّ أن هذا المفهوم غير منطبق تماما من الناحية الإجتماعية ؛ إذ يرتبط مفهوم الرجولة أيضا بعدة معايير منها الذكورة أولا ثم الشخصية والسلوكية التي يتميّز بها الرجل من حيث الموقف والفكرة والمبدأ .
فهناك رجال لهم مواقف واضحة في حياتهم العامة كمساندة الضعيف وصاحب الحاجة والسعي في خدمة الآخرين والدفاع عن المظلوم أينما وجد ؛ ولكن هذا الأمر لا ينطبق على الرجل فقط بل قد تتصف به كثير من النساء ؛ إذا الرجولة موقف قبل أن تكون جنسا .
لقد إرتبط مفهوم الرجولة بالذكورة لعدة أسباب لعل أبرزها هو لفظ الكلمة (( رجولة = رجل )) ولم تفرز العقلية العربية المعاصرة مصطلحا يعبر عن المفهوم ويستطيع كل من الرجل والمرأة الإتصاف به ؛ مما يتطلب إعادة النظر في هذا المفهوم وإشاعة المعاني الإيجابية منه في المجتمع وتجاوز المفهوم السلبي له ؛ والاّ ماذا سنقول عن الخنساء وأنديرا غاندي وعن جميلة بوحريد وعن فداء الحوراني ؟
يوصيكم
فالذكورة في القرآن الكريم وصف فسيولوجي وعكسه الانوثة ؛ والرجولة تعني وظيفة هذه الذكورة ؛ وعكس الرجل هو المرأة ؛ فالذكورة والانوثة جنسان في نوع الإنسان وكلاهما يشكلان نوع الإنسان في المخلوقات الحيّة . أمّا الرجل والمرأة فهما صفتان لوظيفتي الذكورة والانوثة من حيث الحقوق والواجبات والأداء المتميّز ؛ ولو تتبعنا كلمتي الذكورة والانوثه في القرآن الكريم لوجدناهما على نحو ما ذكرنا ؛ مجرد وصف فسيولوجي ؛ كما قال اللّه تعالى ( ياأيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وانثى ) ( يوصيكم اللّه في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين ) وهذا يعني إن الحكم يتعلق بالذكورة والانوثه لمجرد كونهما كذلك بغض النظر عن وظائفهما وقيمة أدائهما .
أمّا عندما يأتي الحديث عن الرجل والمرأة فإن هذا يعني وظيفة أو أداء سواء سلبا أو إيجابا ؛ كما قال اللّه تعالى ( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ) فهذا الرجل المذكور في الآية الشريفة له وظيفة يقوم بها وهي النبوة أو الرسالة . وقوله تعالى ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر للناس ) أيضا هذا الرجل في الآية الشريفة ذكر له وظيفة عظيمة هي الرسالة التي أوحى بها اللّه إليه ليبلغها إلى الناس .
وكذلك قوله تعالى ( وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ؛ قال ياموسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ) فهذا ذكر له أداء متميز حيث غامر بنفسه في سبيل عقيدته وذهب يبحث عن شخص مطارد من فرعون وجنوده لكي يكون إلى جانبه متحديا كل هذه الأخطار ؛ فهذا موقف رجولي .
أمّا الآية الكريمة التي تقول ( الرجال قوّامون على النساء ) يتخذها البعض ذريعة ليمارس الرجال على النساء كثيرا من الظلم والسلوكيات الخاطئة التي لا تمت إلى الإسلام بصلة ؛ كالقسوة وعدم الأخذ برأيهن وإعتبارهن ضلعا قاصرا .
أمّا عن مواصفات الرجل الذي يتمتع بالقوامة على النساء ؛ فقد قال اللّه تعالى (( الرجال قوّامون على النساء )) ولم يقل ( الذكور قوّامون على النساء ) والرجال هنا هم ذكور لهم مسؤوليلت عظيمة تجاه النساء وتجاه المجتمع ؛ فمن لم يكن من الذكور رجلا بهذا المعنى فإنه لا يكون من القوّامين على النساء .
إذا الرجولة موقف ومسؤوليات وواجبات وأخلاق ووعي وإنتماء . الرجولة هي الصدق مع الذات ومع الآخرين ؛ وأن يكون الرجل بمستوى المواقف وأن يحترم الآخرين .
ونؤكد هنا أن مفهوم الرجولة غير مرتبط بجنس لأن هناك كثيرا من النساء أثبت التاريخ رجولتهن ؛ فالرجولة هي الموقف الذي ينتج عن تحقيق هدف سام جدا لخدمة المجتمع والبشرية بشكل عام . وهنك من قال ( المرأة بسبعة رجال ) وهذاالقول يقال للمرأة القادرة على حل المشكلات وعلى التعامل مع الأهداف التي عجز عنها حتى الرجال .
إن الرجولة هي التحلي بصفات الإنسان الخلوق الذي يحترم نفسه ويحترم الآخرين ويقدر على إقامة الحوار وصولا إلى حالة من التفاهم بين الجميع ؛ من أجل استقرار المجتمع والوطن ,
في معظم المجتمعات العربية هناك متغيرات وفي ظلها لا يمكن أن نقبض على مفهوم متفق عليه للرجولة ؛ فالمنظومة القيمية في مرحلة تكوين ؛ والقضايا التي كان متفقا عليها سابقا تحوّلت إلى إشكاليات ؛ ومع ذلك نؤكد على دور المرأة في ترسيخ أو إنتزاع المفاهيم لأنها الأم التي تكوّن في رحمها الإنسان ؛ سواء أكان ذكرا أم انثى ؛ ولكن عندما تستبطن هي نفسها القهر الإنساني والعذاب النفسي والاضطهاد فإنها قد تمارسه على أبنائها وعلى علاقاتها كلها , لذلك نقول إن مفهوم الرجولة يرتبط في التوازن بين العقلاني والعاطفي ويرتبط بالعدل والشجاعة والحكمة والأمانة .
فالرجل هو الانسان بكل تناقضاته ؛ فهو الذي يستطيع منح الحنان وإحتضان الوجع الإنساني ؛ وعلى تحمل مسؤوليات من يتعامل معهم .
وهنا بالطبع نؤكد على أهمية دور الحاكم ومقدرته على استيعاب هموم المواطنين وإيجاد السبل لتطويع وتكييف الظروف والامكانيات المتاحة بما يخدم مصلحة الشعب والوطن والامة .
إن النظام السوري هو قطعة نسيج محبوكة ومتداخلة ومنسجمة الألوان والملمس والوظيفة ؛ تهدف إلى زعزعة النسيج الإجتماعي السوري وتخريب كل الأنظمة الإجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية ليعبث النظام كما يحلو له ويروق بمقدرات الامة وفي الشارع السياسي السوري .
الجميع يدرك أن هناك نقلة نوعية تعيشها سورية نحو الأسوأ من كل الجوانب ؛ إن كانت على مستوى المحسوبيات أو المعيشة والغلاء أو الإعتقالات التعسفية أو الأحكام الجائرة التي لا تمت إلى العدالة بأية صلة ؛ فعلا إن النظام الجائر في سورية الذي يفتقد أبسط مفاهيم الرجولة قد جاوز المدى .
إذا هناك مفاهيم إنسانية عامة علينا إعادة التفكير بها حول الرجولة ؛ التي هي في الأساس وعي وسعة صدر ؛ ومهمة انسانية وعطاء لا محدود وإحتضان لوجع الامة وللوجع الانساني العام .
فعندما تكون الدولة قوية معتمدة على اسلوب حكم عادل وديمقراطي ومدني بحيث تعتبر المواطنة هي أساس الإنتماء تختفي كل الرموز الشيطانية الحالية ليحل محلها الإنتماء للوطن على قاعدة النسيج الاجتماعي القومي والوطني المتماسك الذي لا يمكن نسل أي خيط منه ؛ وهنا تظهر رجولة الحكم القائم على العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع وجماعاته .
فلا بد من كنس النظام القائم في دمشق ليعود المجتمع لسابق عهده مجتمعا متماسكا متضامنا قادرا على حماية أفراده . حيث تفوح رائحة الرجولة الوطنية في كل أرجاء الوطن من جديد .
|
|
| |
|
|
|
|
|