أفاق الدور التركي في المنطقة


جاء الحضور القوي لتركيا أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير علي قطاع غزة ليفتح الباب علي مصراعيه أمام التكهنات حول آفاق وحدود الدور التركي في القضية الفلسطينية وفي المنطقة ككل ، فتركيا حافظت ولعقود طويلة علي طريقتها الحذرة في التعامل مع قضايا المنطقة وبخاصة القضايا العربية ، وكانت دائماً أكثر ميلاً للانفتاح علي العالم الغربي وقدمت للغرب الدليل تلو الدليل علي انتمائها للثقافة الأوربية الغربية رغبة منها في الالتحاق بالمعسكر الغربي والانضمام إلي الاتحاد الأوربي الذي ما زال ينظر بحذر إلي تركيا باعتبارها دولة إسلامية ستكون أول دولة ذات جذور غير مسيحية تنضم إلي الاتحاد .

وطويلا قصرت تركيا تعاملها مع القضايا العربية في حدود ضيقة وهي علاقاتها ببعض الدول العربية مثل مصر وعلي التنسيق مع بعضها الآخر في حربها ضد حزب العمال الكردستاني .

ومع بداية العدوان الإسرائيلي الأخير علي غزة بدا الدور التركي أكثر تفاعلاً وأعلي صوتاً ، وقامت الدبلوماسية التركية بتحركات واتصالات جعلت من تركيا أحد المراكز الفاعلة أثناء الأزمة ، وأتي انسحاب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من منتدي دافوس احتجاجاً علي مقاطعته أثناء رده علي الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز الذي كان يبرر عدوان آلة الحرب الإسرائيلية علي القطاع ، ليزيد من التكهنات حول أبعاد الدور التركي ، ويطرح السؤال الهام هل تغيرت التوجهات الإستراتيجية التركية تجاه إسرائيل وهل سنري في خلال السنوات المقبلة تقارباً تركياً عربياً ودعماً تركياً علي حساب العلاقات التركية الإسرائيلية .

ولابد في البداية أن نلقي الضوء علي أبعاد العلاقة التركية الإسرائيلية وأوجه التعاون بين تركيا وإسرائيل ، والمد والجذر في العلاقات التركية الإسرائيلية .


في نهاية الخمسينات وقعت المؤسسة العسكرية التركية مع نظيرتها الإسرائيلية اتفاقا سرياً لتبادل المعلومات الاستخبارية عما أسماه الجانبان ( الإرهاب والحركات التخريبية العربية ) كما سمحت (أنقره وبشكل سري لأجهزة الأمن الإسرائيلية بالعمل في الأراضي التركية .
*خلال السبعينات إتفق الجانبان على تعزيز التعاون الأمني لمراقبة الوضع في لبنان .
*شهدت مرحلة الثمانينات تردداً مكثفاً لقادة عسكريين وأمنيين إسرائيليين على تركيا كما قامت أنقره بإرسال رسائل إلى تل أبيب تفيد بأن تركيا جاهزة للإعلان عن علاقات أكثر تميزاً مع إسرائيل .
*إبّان هذه الفترة سمحت الحكومة التركية لرجال أعمال يهود بالسيطرة على بعض وسائل الإعلام وبث دعايتهم عبرها ضد العرب وتذكير الأتراك بأنهم أي العرب هم أعداء تركيا وقد ساهموا في إسقاط الإمبراطورية العثمانية وغدروا بها .
كما شهدت الأشهر الأولى في سنة 1995 م تبادلاً مكثفاً لزيارات بين المسئولين الإسرائيليين والأتراك توجت بزيارة الرئيس التركي / سليمان ديميريل / إلى إسرائيل واعتبرت زيارته هذه أول زيارة يقوم بها رئيس تركي إلى ( إسرائيل ) تم خلالها التوقيع على اتفاقات اقتصادية مهمة ( اتفاق التجارة الحرة ) إضافة إلى اعتماد اتفاق استراتيجي أمني وقعه مسئولون عسكريون وأتراك في بداية 1996 م ينص على النقاط التالية :-
1-السماح للكيان الصهيوني باستخدام الأجواء والأراضي والمطارات التركية في عمليات تدريبية .
2-التنسيق الاستخباري بين الجانبين في جمع المعلومات وخاصة عن سوريا وإيران .
3- الاستفادة التركية من الخبرة والخبراء الإسرائيليين في مكافحة حزب العمال الكردستاني وخاصة عملياته في المدن .
4- تقدم إسرائيل إلى تركيا خبراتها في مجال الصناعة العسكرية والتكنولوجية الإلكترونية المتطورة لتحديث الطائرات التركية المقاتلة .
كما يحتوي اتفاق التجارة الحرة بين الجانبين على البنود التالية :-
1-إزالة الحواجز الجمركية بين الجانبين .
2-أن يصل حجم التبادل التجاري بين الجانبــين إلى مليـــاري دولار خلال العام 2000 ف بدلاً من "" 363 "" مليون دولار قيمة التبادل التجاري السابق .
3- تمنح إسرائيل تركيا جزءاً من حصتها في أسواق الولايات المتحدة في مجال صناعة النسيج وهي نسبة 35 % بعد أن تعمد الشركات الإسرائيلية إلى تصنيع الأنسجة في تركيا من أجل تصديرها إلى الولايات المتحدة الأمريكية .

كل هذه الاتفاقات وما تلاها من تعاون عسكري في مجالات صناعة الأسلحة والتدريبات المشتركة والمناورات إضافة إلي أن بعض الدوائر العلمانية التركية تنظر إلى إسرائيل على أنها تشبه تركيا من حيث كونهما النظامان الديمقراطيان الوحيدان في المنطقة التي تسيطر عليها نظم الاستبداد والدكتاتورية , فإن قادة انقلاب عام 1980 اتجهوا نحو الدول العربية أكثر , خصوصا بعد انضمام تركيا إلى منظمة المؤتمر الإسلامي , ثم ازدادت هذه العلاقات قوة بعد نجاح حزب الوطن الأم بقيادة تورغوت أوزال في انتخابات عام 1983 حيث تميزت فترة حكمه بالانفتاح على الطرفين – العرب وإسرائيل – معا .. لكن العلاقات التركية الإسرائيلية وإن شهدت تقدما ملحوظا بعد طلب تركيا الانضمام إلى المجموعة الأوربية إلا أنها كانت أسرع تقدما على صعيد العلاقات العربية التركية , وقد لعبت الانتفاضة - حجر أمام دبابة - دورا عاطفيا مؤثرا فى الرأى العام التركى ! , ولعل من غرائب الأمور أن العلاقات التركية الإسرائيلية التي شهدت فتورا وشبه انقطاع عندما كان نجم الدين أربكان رئيسا للوزراء عام 1996 , فإن اتفاقية التعاون في مجال التدريب العسكري قد تم التوقيع عليها بين الطرفين في نفس التاريخ !.

هذه الاتفاقية فتحت سماء تركيا أمام الطيارين الإسرائيليين للتدريب والقيام بمناورات عسكرية مشتركة .. لكن هذه العلاقات انتابها قدر كبير من الفتور إبان الاحتلال الأمريكي للعراق , وقيام الكيان الصهيوني بتدريب عناصر القوات الخاصة للبشمرجة الأكراد مما أثار استياء العسكر في تركيا ، في أوائل حكمه سار حزب العدالة والتنمية على نهج تورغوت أوزال في كثير من الأمور تبنى سياسته أيضا في الحفاظ على توازن ما في العلاقات بين تركيا والعرب من جهة وتركيا وإسرائيل من جهة ثانية , فقد قدم دعما لا متناهيا للجانب الفلسطيني رسميا بالمعونات الاقتصادية وإنشاء مدن صناعية , وغير رسمي عن طريق البلديات ومنظمات المجتمع المدني
أما على الصعيد الخارجي فقد ساهمت هذه العلاقات - التركية الإسرائيلية - إلى حد بعيد في تمتين العلاقات مع أمريكا , و شكلت شهادة حسن سلوك في مساعي حكومة العدالة والتنمية في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي .

إذن فماذا طرأ علي العلاقات بين تركيا وإسرائيل لتصل إلي هذا الحد من التوتر ، والذي عبر عنه قادة إسرائيليين بقولهم أن العلاقات مع تركيا دخلت إلي منحني خطير ، في الحقيقة ساهمت أسباب متعددة في توتر هذه العلاقة ، ولم تكن الضربة العسكرية الإسرائيلية لقطاع غزة هي بداية هذا التحول التركي ربما كانت هي القشة التي قسمت ظهر البعير ، أو كانت هي السبب في بروز الخلافات إلي العلن ولكن الأمر بدأ منذ عدة سنوات .
كان تصاعد المد الإسلامي في الشارع التركي بداية من حزب الرفاة ووصولاً إلي حزب العدالة والتنمية الحاكم دوراً مهماً في تحول السياسة التركية نحو إسرائيل ، وجاء الغزو الأمريكي للعراق ودخول عدد من عملاء الموساد إلي المناطق الكردية العراقية والتعاون الوثيق بين الجماعات الكردية التركية الانفصالية، من جهة، وبين "الإسرائيليين"، من جهة أخرى دفع العلاقات التركية الإسرائيلية نحو مزيد من التدهور ، هذه المعلومات لم تعد سراً، فقد نشر الصحفي الأمريكي سايمون هيرش تحقيقاً كاملاً عن قيام الموساد "الإسرائيلي" بتدريب عناصر الحزب العمالي الكردستاني وتعزيز قدراته العسكرية ، هذه العلاقات لم تثر غضبة الحكومة التركية وحزب العدالة والتنمية فحسب، وإنما أثارت ردة فعل قوية حتى بين الأحزاب الكمالية والقومية التركية المعارضة لحكومة أردوغان .

ثم جاءت الحرب الأخيرة علي قطاع غزة لتدفع الأمور من سئ إلي أسوأ فالشارع التركي الذي خرج في مظاهرات عارمة للتنديد بالعدوان الإسرائيلي والمطالبة بكبح جماح إسرائيل وجد آذاناً صاغية لدي حكومة حزب العدالة والتنمية ولم تتوقف التحركات التركية علي التصريحات الدبلوماسية والتحرك السياسي بل إن الحكومة التركية أخذت مواقف عملية مثل حملة التعبئة التي نظمتها وزارة التعليم والتربية التركية في المدارس تضامناً مع الشعب الفلسطيني والمشاركة النشطة لحزب العدالة والتنمية في كافة المظاهرات التي طالبت الجيش التركي بالسير باتجاه القدس .

لقد افترقت سياسات أنقرة مع تل أبيب لأكثر من سبب:
1 - أن هناك سياسة تركية جديدة في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية، ومفادها إبعاد تركيا عن سياسة المحاور وإقامة علاقات جيدة ومن دون مشكلات مع جميع القوى الإقليمية والدولية، بالقدر الممكن، وفي هذا السياق كان الانفتاح التركي على سوريا وإيران «وروسيا» وفي قبرص، وفسر ذلك على أنه تقليص للعلاقات مع "إسرائيل"، وهذا لم يكن صحيحاً، إذ إن العلاقات بين تركيا و"إسرائيل" استمرت نشطة في كل المجالات الاقتصادية والاستثمارية والثقافية والعسكرية والأمنية.

2 - إذا كانت الحرب العراقية والاحتلال الأمريكي للعراق سبباً لانكسار العلاقات بين أنقرة وواشنطن، فإن التغلغل الإسرائيلي في شمال العراق خصوصاً وتقديم الدعم للأكراد العراقيين كان باعثاً لاستثارة حساسية أنقرة الكردية.
ومع أن غول قال أثناء زيارة "إسرائيل": إنه يقبل النفي الإسرائيلي حول تدخل "إسرائيل" في شمال العراق، إلا أنه وصف هذه المسألة بأنها أكثر تعقيداً من ذلك، فيما يشبه عدم اقتناعه بما نفاه الإسرائيليون. إن تقديم "إسرائيل" الدعم لتطلعات الأكراد الانفصالية عن بغداد هو في نظر أنقرة اللعب بالخطوط الحمراء للأمن القومي التركي، من هنا يأتي الغضب التركي العام ـ حكومة ومؤسسة عسكرية ـ من السياسات الكردية للحكومة الإسرائيلية.

3 - صحيح أن حزب العدالة والتنمية جاء بمقاربة للإسلام السياسي، وللعلمانية، والعلاقة مع «الآخر» إلا أنه لا يمكن أن يتجاهل أن قاعدته الأساسية إسلامية، وهذه لها حساسياتها من مجمل تاريخ "إسرائيل" تجاه الفلسطينيين والعرب والمسلمين. وساهم تعاظم الإجرام الصهيوني ضد انتفاضة الشعب الفلسطيني في إحراج حكومة أردوغان واضطرار الأخير لاتخاذ مواقف حادة ضد "إسرائيل"، تلافياً لتصدع قاعدة الحزب، فضلاً عن اقتناع أردوغان بضرورة انتقاد "إسرائيل".

أما نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة والتي دفعت باليمين الإسرائيلي إلي السيطرة علي الكنيست وربما تشكيل حكومة يمينية خالصة فسيكون لها بالتأكيد الأثر الكبير علي العلاقات التركية الإسرائيلية .

علي الصعيد الآخر تطورت العلاقات العربية التركية تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة وحرص أردوغان طيلة الفترة الماضية على تطوير علاقات أنقرة مع جميع العواصم العربية بعد أن أقنعها أنه ليس طرفا في الخلافات العربية البينية، بل على العكس من ذلك حاول أردوغان إقناع هذه العواصم أنه يسعى لتخفيف وطأة الخلافات على الواقع العربي وانعكاسات ذلك على قضايا المنطقة عربيا وإسلاميا، والاستناد في ذلك إلى أن تركيا دولة إسلامية مهمة ولها تاريخ طويل مع دول المنطقة العربية.

وهو ما يفسر دعوة أردوغان إلى القمة العربية في الخرطوم عام 2006 ثم الرياض 2007 لأول مرة في تاريخ العلاقات العربية التركية بعد أن تم انتخاب التركي أكمل الدين أحسان أوغلو أمينا عاما لمنظمة المؤتمر الإسلامي عام 2005.


تتمتع تركيا بحسب ما يرى السفير الأمريكي الأسبق "صامويل لويس" بميزة "المكانة الرمادية" بين إسرائيل والعرب، كدولة تملك مكونات ثقافية وتاريخية مشتركة مع العرب، لكنها أيضا ذات ميول واهتمامات وارتباطات غربية عميقة، تدعمها العلاقات الإستراتجية مع الولايات المتحدة من جهة، والرغبة التركية في عضوية الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، وتبعا لذلك العلاقات المتميزة مع إسرائيل.



وبرز ذلك بوضوح مع طلب حركة حماس بشكل صريح لدور تركي في إقرار تهدئة في المنطقة مع إسرائيل، ثم موافقة حماس على وجود مراقبين أتراك على معبر رفح، رغم رفضها في البداية لأي وجود دولي على المعبر. وكانت تركيا قد لعبت دور الوسيط بالفعل في مفاوضات غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل، جرت منها أربع جولات، وأعلنت سوريا عقب هجوم إسرائيل على غزة بإيقاف الجولة الخامسة، برغم تقارير غربية عن قرب الدعوة التركية لاستئناف المفاوضات.

ولا شك أن تركيا تتطلع لتعزيز دورها كلاعب إقليمي، في دور الوسيط المقبول، أو على الأقل أفضل الممكنات ، لكن الدور التركي الراهن وتعزيزه المرتقب يصطدم بعدة عقبات لا يمكن التقليل من شأنها، منها أن مكانة تركيا في الإستراتيجية الأمريكية لم تعد كحالها خلال الحرب الباردة، ومواجهة الاتحاد السوفيتي، ويؤشر لذلك زيارة الرئيس الروسي السابق "فلاديمير بوتين" عام 2004 لأنقرة في أول زيارة من نوعها منذ 30 عاما. كذلك فإن التناقض الإيراني التركي، الذي يمكن أن يعزز التحالف مع الغرب في طريقه للخفوت، ولم يعد الصراع على مخلفات الاتحاد السوفييتي أو آسيا الوسطى بارزاً لدى الدولتين. بما يعني في الحالتين عدم ضمان الدعم الأمريكي بشكل تام.

وهكذا فالدور التركي في الشرق الأوسط، هو دور واعد، وإن كان محفوفا بالقيود والعقبات، ولكنه في كل الأحوال سيكون مفيدا جدا لتعزيز الدور التركي الدولي، في إحدى أكثر المناطق توترا، وأهمية في العالم, لكن السؤال الذى يبقى معلقا, ويحتاج إلى إجابة أكثر تعمقا,: إلى أى مدى ستكون الزيادة فى الرصيد التركى إقليميا, تشكل خصما من الأرصدة الإقليمية, للدول العربية الرئيسية فى بنية الإقليم؟!

 

محمد قاياتي