كم أشعر بالحزن، والألم، كلما عرفت أن أحدا من رفاقي الشيوعيين القدامى قد ضاقت به السبل وأصبح، قابلا بما يقذف إليه من بعض فتات الموائد. إنني أشعر بالحزن للكرامة المهدورة لمن كان يشهر، على الدوام، ما يعتبره أهم سلاح لديه وهو سلاح الكرامة. ويتضاعف الحزن، والاسى، عندما يفرض على هذا الشيوعي القديم أو ذاك مغادرة دوائر النضال، ولو بأضعف الايمان، ليلج دوائر العمالة لاعداء الشعب، والأمة. لكن مقابل ما ذا؟ لا غبار يمكن أن يغطي على الجواب: ضعف النفس ونزع ثوب الكرامة.، و"من يهن يسهل الهوان عليه" حقيقة!
كنت أتتبع أخباره، كما يتتبع كل الرفاق، القدامى، أخبار بعضهم البعض. لم أكن ميالا إلى تصديق كل ما يقال عن الرفيق، القديم، لأنني كنت أتخوف من أن يكون الحسد دافعا الى ما كنت أسمعه وهو، بالتالي، ليس الا تقولات، لا سند، ولا حجة، لها، على أرض الواقع. وكنت، دائما، أواجه من ينقلون إلي تلك الاخبار، بأن الحكَم هو ما يكتبه الرجل، وليس شيئا آخر. والحال أن ما يكتبه، يحمل بعض نفس من التمرد الشيوعي، وإن خلا من المعرفة والنظرية التي ميزت المثقفين الشيوعيين. وفاقد الشيء لا يعطيه، وليس من العدل مطالبته بإعطائه. فكنت أقول، أمام الملأ: إن الرجل يقدم نفسه كمبدع، فليتم النظر اليه من هذه الزاوية، وإن كنت أشك في أنه يعرف ما ذا يعني الابداع.، إذ له شروطه التي بانتفائها ينتفي كما لا يخفى على أحد. لكنني من المؤمنين أن المثابرة، وبذل الجهود، قد ينتهي الى نتائج ايجابية، ولو أنني لم أكن مقتنعا أن هذه القاعدة ستؤدي إلى أي نتيجة بالنسبة لهذا الشخص.
قالوا: إنه قد تحول إلى عميل لأكثر من نظام، وأنه يعتمد سياسة الابتزاز للوصول إلى موقع ما ضمن تراتبيات العمالة لدى بعض الأنظمة. لم أصدق، ولو أن البعض تحداني بتكذيب، ودحض ما يملك من وثائق، وما يعتبره قرائن لا تقبل الدحض، والتفنيد. ربما لأني كشيوعي قديم، خفت أن أرمى بما رمي به الرجل من قبل الخصوم والأعداء، لذلك ترددت في تصديق كل ما يقال على هذا المستوى.
لكن ما سمعته، في دمشق تردد على مسمعي، في اللاذقية، ووجدت له صدى، في حلب وطرطوس وغيرها من المدن السورية ضمن الدوائر الضيقة للشيوعيين القدامى، أو من ما تزال تربطهم بهم رابطة سياسية أو تنظيمية ما على قلتهم بطبيعة الحال.
داخلني الشك، مرة أخرى، أيكون الرجل ضحية مؤامرة كبيرة؟ لكن، ومن يكون، حتى تحاك ضده المؤامرات؟
فلا هو بزعيم سياسي،
ولا هو بكاتب حقيقي،
ولا هو بصحفي واعلامي حقيقي؟
الذين يقرأون خربشات تهويماته، في بعض المواقع يخجلون حتى من التفكير في تصنيفه في أي خانة من خانات الكتابة، ويعتبرون أن من يطلب منهم القيام بذلك لا يقوم، في الواقع، الا بالعمل على التنقيص من قيمتهم لأنه خارج هذه الخانات جميعها، ولا يملك أدنى المؤهلات لولوجها.
وعلى مستوى آخر، حاول أن يخفي ألاعيبه الصغيرة، وبهلوانياته البائسة لمدة دون أن يعلم أنها قد انكشفت للجميع، منذ اللحظات الاولى التي كان يقرع فيها الأبواب بمنتهى اليأس والمسكنة، وكان يحاول التغطية عليها بدخان التبخير الذي اعتقد أنه قد يلعب دور التغطية على تلك الألاعيب المخابراتية الصغيرة. ولم يكن يعلم ان عدم مواجهته بالوقائع لا ينم عن جهل، بها، أو غفلة، وإنما هو راجع الى تقدير ان رفع وطأة الحاجة عن كاهل الرجل، يمكن أن يفتح عينيه على سواء السبيل، والعودة عن هذا السلوك المشين. غير أنه لم يدرك، كما هو واضح، عمق المسألة، فاعتبر أنها فرصته للابتزاز، متناسيا ان هذه هي طريق الخسارة المحققة، لان ابتزاز الكبار لا يأتي منه طائل، والمبتز هو الذي عليه ان يتحمل تبعات غبائه، لأنه مثل الباغي تدور عليه الدوائر في نهاية المطاف. ربما جرب هذه مع بعض الصغار، الذين خالطهم، فاعتقد أن ما يصدق على الصغار، يصدق على الكبار أيضا، فلم يجن الا لعنة الابتزاز، تدعمها، وتسندها لعنة الغدر. ويبدو من خلال خربشاته، وتهويماته النرجسية، الأخيرة، التي حاول منها التطاول على التجمع القومي الموحد، أن الرجل فقد كل توازن. لكن شتان ما بين الثرى والثريا كما يقال. لكن ما ذنب من يعيش في دهاليز الصغار إذا لم يتعلم غير لغة الصغار الملوثة ماديا ومعنويا؟ إن القذارة تعتقد أن العالم قذر ولا تتمنى إلا أن يكون على شاكلتها.
ومن الملاحظ أن يكرس كل ما أتي من قوة لتأكيد عدائه لقيم أمته العربية والاسلامية.والعداء الذي يكنه للعروبة والاسلام لا يوازيه الا تمجيد كل مغتصب، وأفاق، وياللعجب باسم العروبة، وربما، باسم الاسلام، أيضا. ولا يجتمع في عقل متزن وسوي بتاتا مثل هذا التناقضات التي أصبح الرجل وكرا لها. لكن يبدو أن ما علق بذهنه من وحدة التناقضات في الفكر المادي الجدلي لا يسمح له بفهم ما يعنى بتلك الوحدة وبتلك التناقضات. لذلك فما يمارسه ويذهب اليه هو العكس تماما من مراد الفكر المادي الجدلي.
بعض الظرفاء الذين يعرفونه معرفة جيدة فسر ذلك بقوله:" لقد تعلم في مؤتمر الاقليات في سويسرا، على ما يبدو، فنا بهلوانيا جديدا. وقد يكون ذلك على يد المؤتمرين الاسرائيليين الذي يجيدون فن القتل بالغارات الجوية وقذائف الدبابات المرفوق بزعم كونهم يدافعون عن النفس. ولا يرون أي تناقض في ذلك".
لكن من المؤكد، وبحسب كل ما توحي به خربشاته الهذيانية الأخيرة أن الرجل اعتقد أنه استكمل مرحلة التمارين والتدريبات في مدرسة العمالة الجديدة في سويسرا، لذلك طلب من الذين يعيلونه ماليا، وطعاما، وتضليلا، أن يسمحوا له بالظهور على بعض الساحات المنبوذة، لتجريب حظه في الانتقال من دهاليز المخابرات المظلمة إلى حيث بعض بقع النور. لكنه لم يكن موفقا، في هذه المحاولة، أيضا، لأنه اختار الأسلحة الفاسدة في الظروف غير الملائمة واختيرت له الأهداف التي يظل بصره في الاحاطة بها حسيرا.
وياحسرة على من تلازمه الخيبة في حله وترحاله!
صحيح أنه لا يدرك معنى هذا الكلام رغم وضوحه لأنه لم يتعود على غير ما تتضمنه خربشاته من اسفاف يدل على مقامه. ثم أنى له أن يدرك معنى هذا الكلام وهو الذي لا يميز عادة بين الالف والعصا. ومع ذلك فقد يكون اعتقد بأنه سلمان رشدي سورية؟، يا للغرور! وبالفعل، فان غرور التفاهة لا يعدو كونه تفاهة مضروبة باللانهائي.
أقول لنعيسة نضال: إنك لم تقع على ضالتك، كما تعتقد. وإن لم تصدق فاستفسر من الذي يتحكم فيك من بعيد عن الأمر لتقطع الشك باليقين، وإنما أنت الآن وقعت في شرك ضلالك وحبائل جشعك. فبئس المصير. قد يضحك الذي يملي عليك تحركاتك البهلوانية قليلا لكنه لا يدري ان ضحكته ستفضي به الى كابوس طويل، طويل.
شيوعي قديم
|