استمارة مليكة كبار العاملين غائمة جزئياً مع احتمال هطولات فساد الفســاد مفتاح الاستمـرار !!
لم يكن ينقص سوريا سوى صدور تقرير منظمة الشفافية العالمية عام (2005) حتى يؤكد فسادها بالمرتبة الرابعة عربياً، ولم يتجاوزها إلا ثلاث دول عربية فقط، هي ليبيا والسودان والعراق، في حين جاءت في المرتبة (93) بالترتيب العالمي، وربما يكون المدخل الصحيح لفهم الفساد في سوريا هو ملاحظة درجة المؤسسية والعبقرية في عمله ووسائله حتى يكاد يكون عصياً على محاولات مكافحته، بعد أن عجزت المؤسسة الرقابية عن مكافحة هذا الأخطبوط الذي بات يلتهم الأخضر واليابس، موجداً لنفسه شبكات متشعبة الأطراف والجهات، تخطط وتنسق وتجني المكاسب غير المشروعة، وتبث الفساد أينما وجدت، حيث ترتب على انتشار ظاهرتي المحسوبية والوساطة أن شغلت المراكز الوظيفية المفتاحية بأشخاص غير مؤهلين.
وعليه فإن الفساد المالي والأخلاقي كانا المفتاح السري لاستمرار هذا أو ذاك في عمله وفساده، وحتى وقت قريب لم يجد هؤلاء الفاسدون حرجاً من المفاخرة بمظاهر النعمة التي ظهرت عليهم بعد تسلم (المنصب) وكأن جني المكاسب غير المشروعة (شطارة) يحسدون عليها، فمن المعيب أن يمضي هذا الفاسد سنوات عمله دون (هبشة) دسمة تؤمن له رفاهية لما تبقى من العمر.
إلا أن قراراً صدر مؤخراً، وجه بالتنفيذ الفعلي لاستخدام استمارات الملكيات الخاصة لكبار العاملين في الجسم الحكومي والتشريعي ومتابعة هذه الاستمارات دورياً، والوضع المالي لهؤلاء العاملين خلال فترة عملهم الرسمي لضمان الشفافية والنزاهة، مع الحديث عن وجود نية لدى الحكومة السورية لإصدار تقارير دورية عن مستوى الفساد في سوريا، وذلك في ضوء إقرار مجلس الوزراء المعاهدة الدولية لمكافحة الفساد التي تتطلب التزامات محددة من دمشق، قد يكون أولى خطواتها إعمال قانون الإفصاح عن الذمم المالية لذوي المناصب العليا، وتطبيق قانون الكسب غير المشروع، وأخيراً سيجد رؤوس الفساد أنفسهم وجهاً لوجه مع المساءلة بعد أن تمردوا عليها لسنوات طوال، والسؤال هنا من هي الهيئات المناط بها متابعة تعبئة تلك الاستمارات، وكيف سيكون شكلها ومن يجب أن تضم؟..
يقول (شبلي أبو الفخر) مدير المركز الدولي للدراسات الاقتصادية: (من حيث المبدأ هذا القرار هو توجه هام وضروري، وهو إجراء حضاري ومعمول به في معظم دول العالم، ولكن بتقديري هكذا قرار كان يجب أن يترافق مع بداية تطبيق النهج والتطوير منذ عام «2000» واعتمادنا الآن لاستمارات كبار المسؤولين سيثير تساؤلات عدة من الجهة التي ستشرف على تنفيذ هذا القرار، حكومية أم محايدة، هل ستخضع لرقابة القضاء؟ وهل النتائج متوقعة؟).
من جرب المجرب:
من هنا، كان من الأهمية القصوى الحديث عن وجود لجنة رقابية موثوقة تضم جهات عدة، وخصوصاً التجربة السابقة لم تكن مشجعة فيما يتعلق بسؤال من أين لك هذا يتابع شبلي أبو فخر: (ما يحدث اليوم هو إحياء لمحاولة سابقة يعود عمرها لعام «1977» حيث أعلن وقتها عن خضوع جميع المسؤولين للمحاسبة من خلال معرفة حجم ثرواتهم، إلا أن لجنة الكسب غير المشروع انتهت إلى لا شيء، وما حدث بعدها هو استشراء الفساد وليس العكس، ولذلك فإن التشخيص الحقيقي للأزمة اليوم، بأن الفساد عصي تقريباً على كل محاولات التطهير منه، لكن الحل غير مستحيل).
وفي السياق ذاته يتساءل المحامي (فائق حويجة) عن مصير اللجنة سالفة الذكر والتي هلل لها فيما مضى، على أنها الفتح الكبير الذي سيقصف عمر الفساد لذا يتمنى حويجة اليوم أن يكون القرار الجديد للتنفيذ الفعلي، والأهم من هذا كله وفقاً لوجهة نظره هو أن يبقى كف اللجنة المكلفة بمتابعته نظيفاً وأن لا تطال المحسوبيات عملها، فيطالب بعضاً من (كبار المسؤولين) بتعبئة الاستمارة في حين يغض الطرف عن آخرين قاموا بنفس الفعل لاعتبارات منفعية.
إذاً، ليس مستغرباً أن يحاول الفساد أن يطال القرار الذي أوجد لمكافحته، خصوصاً أن الفساد السوري اكتسب مناعة وقدرة على إفساد كل محاولة للتقليل من هيبته.
يد واحدة لا تصفق:
وبعيداً عن التوقعات بإمكانية إفساد اللجنة من عدمه، يبدو التعويل على هذا القرار من قبل البعض، في غير مكانه، فيد واحدة لا تصفق على حد تعبير (د. خلف الجراد) مدير عام مؤسسة الوحدة يقول: (استمارة ملكيات كبار العاملين قد تصلح كمؤشر ولا يمكن أن تكون لوحدها عاملاً رادعاً للفساد والفاسدين، بل يجب أن تلحق بحزمة متكاملة من الإجراءات المتابعة لموضوع الفساد).
ويوافقه بذلك (عابد فضيلة) أستاذ الاقتصاد بجامعة دمشق، فهذه الاستمارة من وجهة نظره لن تضع حداً للفساد ولا يوجد إجراء وحيد يمكنه أن يجابه هذا الأخطبوط، فمكافحة الفساد تتطلب تفكيك البنية التحتية التي تساعد على انتشاره كالتشريعات غير الواضحة أو المتعددة التفسير، والبيروقراطية والتعليمات غير الواضحة وغير العادلة والقصور في الآلية الرقابية، إضافة إلى انخفاض مستوى الدخل وعدم العدالة في توزيع الدخل القومي وارتفاع نسبة الفقر والبطالة، إلا أن هناك من يجد أن النوايا الحسنة وحدها تكفي، فـ (د. حيان سلمان) الباحث الاقتصادي يؤكد أن استمارة كبار العاملين ستضع حداً قاطعاً لتشكيل الثروات والفساد في المفاصل الحكومية، وخصوصاً أن إمكانية تطبيق ما سبق من الأمور السهلة سيما إن وجدت النوايا الحسنة، وقتها يمكن تحديد الملكيات بشكل دقيق وواضح، ومحاسبة الفاسدين، ولكن هل تكفي النوايا لوحدها هنا، أم أن الأمر يحتاج إلى أكثر من ذلك؟!.
غائم جزئياً:
وفي إطار الحديث عن مجمل ما ورد في القرار الذي وصفه البعض بالغائم جزئياً لجهة احتوائه عبارات فضفاضة، لم تحدد بشكل دقيق وواضح، وهنا يتساءل د. خلف الجراد عن الفئات التي ستشمل كبار العاملين، وربما تكون (مدير عام وما فوق) ومن هذه الحالة يقترح أن تطال استمارة الملكيات جميع موظفي الدولة من الأصغر للأكبر، ويبرر ذلك بقوله: (هناك موظفون صغار احترفوا الفساد وجنوا مكاسب طائلة من ورائه، ومن غير المنطق أن يتم إقصاؤهم عن المحاسبة والمساءلة، وكأن كبار المسؤولين فقط هم الفاسدون).
وفي ظل هذا الواقع الذي يبدو فيه الفساد مستشرياً في معظم مفاصل الإدارات والشركات والمؤسسات الحكومية والخاصة، لابد من وجهة نظر (عابد فضيلة) الأخذ بعين الاعتبار أن الفساد موجود في كافة المستويات، وهذا يقتضي تحديد الفئات التي ستخضع للمساءلة مع مراعاة أن الفساد موجود في منصب مدير عام، وفي منصب الحاجب أيضاً أو موظف الديوان حتى، فالفساد لا يفرق بين كبير وصغير.
العبرة في التنفيذ:
يعتقد المحامي (فائق حويجة) أن الاستمارة لن تسلم بدورها من الفساد، فما هي الضمانات التي تؤكد أن ما يقوله هذا المسؤول أو ذاك يعبر عن ثروته الحقيقة بعد أن أمضى سنوات معينة في موقع المسؤولية، ثم في حال اختلس أموالاً طائلة وهربها إلى الخارج من سيكشف الأمر، ويشبه حويجة هذا القرار بقانون (ديموقليص) اليوناني، والذي يسلط سيفه فوق الرقاب مربوط بحبل لا يعرف متى يسقط على رأس المذنب مع الإشارة لوجود احتمال كبير بعدم انقطاع الحبل، إذاً ليس هناك ضمانات قانونية فعلية لتنفيذ هذا القانون، وإمكانية التحايل عليه ممكنة وتتمثل وفقاً لعابد فضيلة في نقل الملكية من اسم المسؤول إلى اسم آخر، والتملك بعقود بينية، حيث أن تطبيق هذه الاستمارة والتأكد من المعلومات الواردة فيها له إشكاليات عدة على أرض الواقع.
إلا أن ثمة أسئلة لابد أن تقفز إلى الذاكرة وتتوثب على اللسان بحسب المحلل الاقتصادي (عدنان عبد الرزاق) عن كيفية الكشف على الأرصدة والممتلكات والإيداعات الخارجية، فدائماً العبرة تكمن في التطبيق على حد قوله، إذ لابد للتوجيه بأن يأخذ القانون ما يتناسب ومضمونه وأهدافه من تتمات ويخص عبد الرزاق بنود الاستمارة وأشكال المعاقبة مشدداً ألا تقتصر اللجان على الجهات الحكومية كي لا يصح فيها المثل القائل الخصم والحكم يقول: (ما يتعلق بالخطوة الجديدة فهي مسألة على غاية الأهمية لأمرين، الأول أن مرحلة التحول التي تعيشها سوريا قد تعزز رساميل لدى بعض من هم في مواقع حساسة سواء من خلال العمل أو المتاجرة أو حتى استغلال المنصب، أما الأمر الآخر فهو مراقبة ملكية من هم كبار التي لا تتنامى بأشكال غير شرعية، ولأن مطاردة كل بعوضة تخرج من مستنقع الفساد، إنما هو أمر مستحيل ومكلف زمنياً ومالياً لذا نرى التوجيهات في الاستراتيجيات التي تهدف إلى تجفيف مستنقع الفساد).
ماذا بعد:
البارحة من أين لك هذا واليوم ملكيات كبار العاملين، وما بين الاثنين استشرى الفساد وبنى له قلعة حصينة يصعب اختراقها، فيما الفاسدون منصرفون لزيادة ثرواتهم غير الشرعية، قد يكون إحصاؤها ضمن استمارة يخفف من شراهتهم تجاه الكسب الحرام، وتبقى العبرة في التنفيذ.