إذا كانت هذه أولويات الحكومة فما هي آخر اهتماماتها؟
استعرض رئيس الحكومة (حكومة سلطة الأمر الواقع )ونائبه للشؤون الاقتصادية أمام (مجلس الشعب) أولويات الحكومة في برنامجها الاقتصادي بكلام جميل، لدرجة أنستنا نحن الفقراء كل ما نعانيه من هذه المرحلة التي طلب منا أن نتحملها وعلى لسانهم أيضاً، إذ بين رئيس الحكومة لأعضاء المجلس أن أهم أولويات حكومته كانت مكافحة الفساد، والعمل على سد الفجوة بين الأسعار والأجور، والعمل على الاستفادة من كل الفرص المتاحة على صعيد الاستثمار ، والعمل على توسيع رقعة الأراضي الزراعية، والاستفادة من الطاقة البديلة، ودعم القطاع الخاص، وتعزيز الأمن الغذائي .
فيما بين النائب عبد الله الدردري حرص الحكومة على عدالة توزيع الدخل وإيصال البنية التحتية بعدالة إلى جميع المواطنين والحد من البطالة، والحفاظ على القطاع العام، ومعالجة أسباب التضخم.
فلو بحثنا فيما تحقق على أرض الواقع من هذه الأولويات التي عملت عليها الحكومة طوال السنوات الماضية وبدأنا بمكافحة الفساد، وتحديداً الفساد الإداري سنجد أن معظم مؤسسات الدولة قد استشرى فيها الفساد الإداري أكثر من ذي قبل، حتى أن بعض تلك المؤسسات تحولت إلى حلقات فساد منظم تداخلت في جميع مفاصلها، وأصبحت تلك المؤسسات مناطق نفوذ حصرية لمديري تلك المؤسسات ومريديهم، كما أن الفساد في السنوات الماضية قد تطور ليأخذ شكلاً أكثر خطورة، إذ أصبح لكل موقع فساد في مؤسسات الدولة تسعيرة محددة لشغله، بحسب حجم الفائدة غير المشروعة من شغله، ونعتقد أن أعضاء مجلس الشعب يعلمون بمعظم مطارح الفساد في مؤسسات الدولة.
وإذا انتقلنا إلى الأولوية الثانية لدى الحكومة وهي سد الفجوة بين الأسعار والأجور، سنجد أن هذه الفجوة قد بدأت تزداد منذ أن بدأت الحكومة ببرنامجها الاقتصادي، فمنذ تخلي الحكومة عن دورها في تحديد ومراقبة الأسعار وانتقالها إلى اقتصاد سوق حر دون ضوابط تشريعية، والفجوة التي تحدث عنها رئيس الحكومة تزداد شيئاً فشيئاً لدرجة أن الزيادات التي طرأت على الأجور كانت تأكلها زيادات الأسعار وحتى قبل أن تحدث فلو قارنا بين دخل المواطن وسعر سلة السلع الأساسية التي يشتريها. قبل البدء بالبرنامج الاقتصادي للحكومة، وبعده سنجد أن هناك فرقاً شاسعاً لصالح الأسعار قد حصل بعد تطبيق هذا البرنامج ولا يزال في حاله ازدياد مستمر.
اما بالنسبة للأولوية الثالثة وهي الاستفادة من كل الفرص المتاحة على صعيد الاستثمار ، فنجد أن هناك فرص استثمارية هائلة لم يتم التعامل معها بطريقة توحي أنها أولوية، فهناك مشاريع استثمارية تعد حيوية جداً بالنسبة للبلد لم يتم التعامل معها بجدية كمشاريع تنظيم المدن وخاصة العاصمة، ومشاريع النقل التي تم تطنيشها كمشروع المترو الماليزي و ومشاريع الاستثمار في مجال السياحة الدينية كمشروع يلبغا وغيرها الكثير من المشاريع .
أما اولوية توسيع رقعة الأراضي الزراعية فلا نعتقد أنه تم توسيع شبر واحد من رقعة الأراضي الزراعية والسبب للأمانة لاعلاقة له بالحكومة بشكل كامل ، فالتغيرات المناخية، وقلة الأمطار والمياه الجوفية قد أدت إلى تحول قسم من الأراضي الزراعية المحاذية للبادية إلى أراضي قاحلة.
ولكن بالنسبة للاستفادة من الطاقة البديلة فلا نعتقد أن تشجيع تسخين المياه بالطاقة الشمسية هو إنجاز على صعيد الطاقة البديلة لأن معظم دول العالم ورغم عدم توفر سطوع شمسي مناسب لديها ومع ذلك فهي تسبقنا بعشرات السنين في هذا المجال، وحتى مجال تسخين المياه بالطاقة الشمسية لم يتطور بسبب عجز الحكومة عن إيجاد آليات تمكن المواطن من الحصول عليها.
أما فيما يخص المشاريع المطروحة من أجل الاستفادة من الطاقة الريحية ، ومن الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء فهي لا تزال مجرد خطط لا يمكن الحكم عليها إلا بعد أن تنفذ.
وبالنسبة لأولوية دعم القطاع الخاص لدى الحكومة : فيبدو أن الحكومة من خلال تعاملها مع هذه الأولوية قد اعتبرت أن القطاع الخاص هو فقط كبار المستثمرين الذين يعدون على الأصابع وهي بالفعل جعلت دعمهم أولوية لها، حتى على حساب عمالهم الذين تهضم حقوقهم دون أن تتدخل الحكومة كون الأولوية لدعمهم .
أما القطاع الخاص الذي يضم أصحاب المشاريع الصغيرة واقتصاد الظل فهو لا زال خارج حسابات الحكومة وهي لم تفكر بدعمه لا من قريب ولا من بعيد مع أنه يشكل نسبة كبيرة من القطاع الخاص .
وبالنسبة لآخر الاولويات التي طرحها رئيس الحكومة وهي تعزيز الأمن الغذائي ، فلمعرفة كم قامت الحكومة بعملية تعزيز لأمننا الغذائي فما علينا إلا مقارنة مخزوننا من المحاصيل الاستراتيجية قبل البدء في البرنامج الاقتصادي وبعده لنكتشف كم عززت هذه الحكومة أمننا الغذائي فمحصول القمح والذي كان لدينا منه قبل هذا البرنامج 5 مليون كمخزون استراتيجي قد تناقص لدرجة وصلت إلى مرحلة الخطر والنفاذ.
أما الأولويات التي طرحها النائب عبد الله الدردي فهي : 1- حرص الحكومة على عدالة توزيع الدخل : فنعتقد أن هذه الأولوية قد تكون طبقت بشكل جزئي فما يخص دخل موظفي القطاع العام ، أما بالنسبة للقطاع الخاص فهناك فروق هائلة بين مداخيل هذا القطاع لا يمكن تصورها، وقد ازدادت هذه الفروق كنتيجة للبرنامج الاقتصادي للحكومة .
2- إيصال البنية التحتية بعدالة للمواطنين، هنا نعتقد أن السيد الدردي لو كان زار حي تشرين التابع لمدينة دمشق ورأي كيف أن البنية التحتية تمر بمحاذاة سطوح المنازل لكان تراجع عن هذه الاولوية.
3- الحد من البطالة : وهنا نقول إذا كان السيد الدردري يرى في تناقص أعداد المسجلين في مكاتب التشغيل حد من البطالة ، فأننا نقول له : إن معظم العاطلين عن العمل قد أحجموا عن التسجيل في هذه المكاتب لعدم ثقتهم بأن هذه المكاتب قادرة على تأمين فرص عمل لهم، أما أعداد العاطلين عن العمل فهي في ازدياد مستمر بسبب شغل فرص العمل المتاحة من قبل العمال الذين يعملون بأكثر من عمل.
4 – الحفاظ على القطاع العام : لا ندري كيف يصرح السيد النائب بأن أولوياته هي الحفاظ على القطاع العام وكل المؤشرات والإجراءات على أرض الواقع تشير إلى أن هذا القطاع في طريقه إلى الخصخصة كجزء من عملية التحول إلى الاقتصاد الحر الذي يتبناه هو شخصياَ.
5- معالجة أسباب التضخم: وهنا نقول للسيد الدردري : إذا كانت معالجة أسباب التضخم هي فعلاً من أولوياته فأن برنامجه الاقتصادي هو السبب الأوحد لهذا التضخم.
وفي النهاية ، نرى أنه كان حري برئيس الحكومة ونائبه أن يخبرا مجلس الشعب أن المرحلة الانتقالية التي يمر بها برنامجهم الاقتصادي يرافقها تراجع سلبي في كل المجالات التي ذكروها كضريبة لعملية الانتقال، ليكون كلامهم أكثر إقناعا من الحديث عن انجازات غير موجودة أصلاً .