قضاة سوريا والعصي لمن عصى!!
بقلم: هند صاوي


إن الحديث عن دولة المؤسسات وعن مبدأ سيادة القانون وعن المشروعية وعن أى اصطلاحات أخرى في دولة لا يوجد فيها قضاء مستقل يصبح نوعاَ من العبث، لأن هذه الأمور جميعا مرتبطة ارتباطا وثيقا ببعضها ، فحيث يوجد إيمان بمبدأ المشروعية وسيادة القانون وحيث يوجد الدستور، فان السلطة القضائية المستقلة تأتى كنتيجة طبيعية، أما عندما يختفي مبدأ المشروعية وعندما لا يكون هناك إيمان بمبدأ سيادة القانون، فانه لا يمكن تصور وجود سلطة قضائية مستقلة في مواجهة بطش السلطة التنفيذية.
وأثار قرار وزير العدل السوري باستثناء 45 قاضياً من الترفيع"الترقية" دون إبداء الأسباب الجدل مجدداً بشأن استقلال القضاء في سورية ومدى تدخل السلطة التنفيذية في شؤونه. والحقيقة لا أدرى سببا لكل هذه البلبلة الحادثة في سوريا بسبب هذا القرار ,كما أنى أيضا أجدها غير منطقية بالمرة , لأني اعتقد أن قرار حجب الترفيع عن القضاة هو ابسط واقعة ممكن أن نذكرها إذا أردنا الحديث عن تدخل الدولة في النظام القضائي واختراق القضاء في سوريا !!
فلا اعرف مدى أهمية قرار حجب الترفيع أمام إلغاء أحكام أصدرها قضاة وبرأت متهمين , ثم تم إلغائها واستبدالها بأحكام أخرى على هوى النظام جرمت نفس الاشخاص !! وهل واقعة حجب الترفيع أكثر سوءا من قرار فصل أكثر من ثمانين قاضيا العام الماضي دون إبداء اى أسباب ؟" وإن كانت الأسباب كانت معروفة ضمنا وهى خروج القضاة عن النص الذي يكتبه النظام لغيرهم من القضاة" ,
وما جدوى الحديث عن القوانين ومواد الدستور التي تكفل استقلال القضاء في دولة يتجاوز نظامها كل القوانين والدساتير ضاربا بها عرض الحائط فلا قوانين ولا مواثيق يعترف بها سوى التي تخدم مصالحه ويكرسها لعقاب معارضيه .ولا أدرى ماذا تفعل بيانات الشجب والإستنكار الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان في دولة لا يعترف نظامها أن مواطنيه لهم حقوق أساسا!! فان لم يكن هناك تحرك حقيقي ومن القضاة أنفسهم للدفاع عن سلطة القضاء وهيبته لن يكون هناك جدوى من اى اعتراضات او بيانات ادانة من قبل منظمات المجتمع المدنى .
فحدوث تحرك أو انتفاضة للقضاة "إن جاز التعبير" يهبوا فيها للدفاع عن هيبة القضاء واستقلاله , قادرة على إحراج النظام أمام العالم , وستكون بمثابة محاولة أخيرة للوقوف أمام بطش النظام وهيمنته بعد أن أصبح الشعب السوري لا حول له ولا قوة أمام قوى الظلم والاستبداد .
إن اختراق القضاء في سوريا وسيطرة السلطة التنفيذية عليه أمرا ليس غريبا خاصة في دولة يحكمها قانون الطوارىء منذ أكثر من خمسة وأربعين عاما ولكن
استقلال القضاء ليس ترفاً، وليس خيارا للشعوب أو الحكام بل هو حتمية حياة وضرورة وجود .. بغيره يأكل القوى الضعيف، ويفتقد المظلوم من يلوذ به ويثق في استقلاله ونزاهته.. وهو صمام الأمان للمتقاضى قبل القاضي .
كما ان موضوع استقلال القضاء شأن يتجاوز بكثير حدود القضاة أنفسهم إذ أنه في جوهره وثيق الصلة بقضية العدل وميزان الحرية في المجتمع‏,‏ وفي العالم المتحضر فإن قيمتي العدل والحرية تتأثران سلبا وإيجابا بمقدار ما هو متوافر من استقلال للقضاء في كل بلد‏,‏ لذلك فإننا حين ندافع عن استقلال القضاء ونتشبث به‏,‏ فإنما ندافع عن أنفسنا في حقيقة الأمر‏,‏ وحين يستشعر القضاة قلقا من جراء نقصان استقلالهم‏,‏ فإن ذلك القلق ينبغي أن ينسحب إلينا جميعا.,وإذا كان النظام اعتاد انتهاك الحقوق وفرض الهيمنة والسيطرة على كل المؤسسات في البلاد فيجب عليه أن يعرف أن القضاء- خط احمر- يجب علية ألا يتجاوزه فإن الصمت لن يستمر طويلا !!