قصة القمح السوري
سنتان من التلاعب والنتيجة نفاذ المخزون الاستراتيجي

رغم كل المؤشرات  السلبية عن محصول القمح في سورية لهذا العام، والتي كانت تدل على أن سورية مقبلة على أسوأ موسم لمحصولها الاستراتيجي الأول (القمح)، إلا أن التفاؤل والتوقعات الإيجابية التي كانت بمثابة (الضحك على اللحى)، كانت السمة الغالبة على  تصريحات مسؤولينا في هذا المجال، إلى أن شارف موسم الحصاد على الانتهاء ، وتحول التفاؤل إلى صمت، ثم انقلب إلى تشاؤم، وتراجعت التوقعات إلى من ثلث الذي كان متوقعاً بداية الموسم.
فبعد أن صرح معاون وزير الاقتصاد في شباط الماضي أن سوريا تمتلك مخزوناً استراتيجياً من مادة القمح يكفيها لغاية  موسم 2009 حتى لو لم ينتج هذا العام أية كمية، وبتعد أن توقعت الجهات المعنية أن يبلغ اجمالي محصول القمح لهذا العام حوالي 3.5 مليون طن. لاقت هذا التصريحات وقتها الكثير من الاستهجان لدى الاقتصاديين والخبراء بهذا الشأن الذين كانوا يحذرون من نفاذ المخزون الاستراتيجي للقمح بسبب السياسيات التي تتبعها الحكومة حيال هذا المحصول، إضافة إلى الظروف المناخية السيئة، إذ تم رفع سعر ليتر المازوت من 7 إلى 25 ل.س قبل نهاية الموسم وتم رفع السعر النهائي للقمح الذي سيسلم للمؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب إلى 17 ل.س للكغ من القمح القاسي 16,5 ل.س للكغ من القمح الطري الذي وصفه كثير من الخبراء بأنه لايتناسب أبداً مع كلفة إنتاجه ، وفي نفس الوقت انتشر تجار الحبوب في معظم مناطق إنتاج القمح واشتروا كميات هائلة منه قبل موسم الحصاد بعدة شهور وبأسعار تراوحت بين 21 و 22 ل.س، إلا أن التصريحات الحكومية كانت حاسمة  بشأن تسليم الموسم كاملاً للمؤسسة، وأنه لن يكون هناك تهاون في هذا الموضوع لدرجة أننا تخيلنا أن الحكومة ستسير دورية مع كل حصادة لضمان تسليم الإنتاج، طبعاً هذا بالإضافة إلى تضمين قسم كبير من  الأراضي التي كانت مزروعة بالقمح لرعاة الأغنام بسبب عدم القدرة على تحمل أعباء كلفة المازوت للري.
والذي حصل على أرض الواقع أن محصول القمح قد بيع في معظمه إلى التجار، فيما لم تستلم المؤسسة العامة لتجارة الحبوب أكثر من 850 ألف طن حتى الآن، مع توقعها أن لاتصل الكمية المستلمة في نهاية الموسم إلى مليون طن، لتحقق تراجعاً مقداره 71% عما كان متوقعاً بداية الموسم .
وقد أكدت مصادر رسمية لداماس بوست أن عجز العام الحالي من القمح في سورية سيبلغ نحو 2,8 مليون طن لأن الاستهلاك المحلي للقمح في سورية يبلغ 3,8 مليون طن، وأضافت المصادر أن الاحتياطي الاستراتيجي من القمح في البلاد لم يعد يكفي سوى بضعة أشهر وحذرت من النتائج الخطيرة من هذا الواقع، وبينت أن سورية تحتاج إلى خمس سنوات على الأقل لتتمكن من إعادة الاحتياطي الاستراتيجي إلى مستواه الطبيعي شريطة التوقف عن بيع القمح كلياً، وارتفاع الانتاج إلى حدود عام 2006 أي 5,5 مليون طن في السنة
إن ما حصل هذا العام في سوء إدارة أزمة القمح هو امتداد لما حصل في العام الماضي من تآمر على القمح السوري .
بداية النهاية:
بدأت قصة المخزون الاستراتيجي من القمح السوري منذ موسم 2007 الذي تم خلاله استغلال قضية (النقطة السوداء) التي أثارتها المؤسسة العامة لصناعة وتجارة الحبوب عندما وجهت بتاريخ 11/6/2006 إلى كل فروعها بأن ترفض استلام القمح الذي تزيد فيه نسبة الأقماح التي يتلون بها رأس الحبة باللون الاسود عن 0,5% كونها غير صالحة استهلاك البشري، ما أدى إلى نشاط حركة التجار بشكل كبير وعلني لشراء إنتاج الفلاحين من القمح، بأسعار بخسة أقل من 9000 ل.س للطن. إلى أن صدر قرار سياسي باستلام جميع الأقماح على أساس أنها أقماح علفية وتعامل بسعر الدرجة الرابعة أي بـ 11560 ل.س للطن  فعاد الفلاحون إلى تسويق ما تبقى من محصولهم إلى المؤسسة والذي استمر حتى تاريخ 22/6/2007 حين صعقوا بالتسعيرة لتلك الأقماح التي حملتهم حسميات كبيرة، أعادتهم إلى البيع للتجار الذين رفعوا أسعر الشراء من تلك الحبوب إلى 10750 للطن الواحد، ما أدى بالنتيجة إلى حصول التجار على 3,2 مليون طن من القمح من أصل 4,7 مليون طن هي مجموع إنتاج عام 2007 فيما لم تستسلم المؤسسة سوى 1,5 مليون طن من هذا الإنتاج ، مع أنها  الجهة الوحيدة المخولة بتسويق القمح بحسب القانون .
كل هذا حصل والفلاح يعتقد أنه باع قمحاً غير صالح للاستهلاك البشري.
ليتبين بعدها وبرأي رسمي من وزارة الزراعة أن ظاهرة النقطة السوداء التي يسببها فطر الترناريا تريتيسينا هي ظاهرة عادية وتحصل بسبب هطل الأمطار الربيعية المتأخرة ، وليس لها أي ضرر على صحة الغذاء والمستهلك وعلى الحبوب نفسها وعلى نسب الانبات  كما أنها لاتنتقل من القمح المصاب إلى القتح غير المصاب إلا ضمن ظروف غير متوفرة في سورية .
إذا ، فموسم عام 2007 كانت أقماحه جيدة وتم بيع معظمها للتجار بأسعار بخسة على أساس أنها غير صالحة للاستهلاك البشري لتباع بعدها إلى معامل المعكرونة والمعجنات بضعف سعرها ويهرب القسم الأكبر منها إلى  الدول المجاورة، أما الأقماح التي استلمتها المؤسسة على أنها أعلاف فقد تم بيع قسم منها بسعر رخيص على هذا الأساس للتجار فيما أعيد قسم منها إلى المطاحن بعد أن تبين أنها سليمة ، إن هذه اللعبة التي لم يكشف أبطالها ولا المتورطين فيها. هي بداية نهاية المخزون الاستراتيجي من القمح السوري التي بدأت العام الماضي والتي قد نشهد نهايتها بعد بضعة أشهر ، بعنوان مأساوي (سورية بلا مخزون استراتيجي من القمح) .

داماس بوست