في سوق اللحمة المركزي، تباع جميع أنواع لحوم الغنم وأحشائها، وجميع أنواع السمك والفراريج، و تباع أيضاً اللحوم الفاسدة والمهربة، وفي أحسن الأحوال اللحوم ذات القيمة الغذائية المتدنية (الفشة، كلاوي) وتربط سوق الزبلطاني الذي يخفي ما يخفيه شاكياً القلة، علاقة متوترة مع محافظة دمشق، بدأت تفاصيلها قبل عدة سنوات وبعد صدور قرار تعسفي بنقل اللحامين من السوق العتيق إلى سوق الهال، ما ألحق خسارة كبيرة بهؤلاء، فالسوق الجديد بموقعه البعيد والمزدحم، فقد شعبيته وأحجم عنه زبائن السوق القديم، مما حدا بالعديد من أصحاب المحال لفتح الباب الخلفي لتجارة نشطة زادها لحم فاسد، اجتاز المنافذ الحدودية بسلام، كما يؤكد أحد باعة السوق، وقد ضاق ذرعاً كما باقي اللحامين بمضايقات المحافظة (على حد تعبيره) مستفيضاً في الحديث عن قرارات مزاجية يدفع اللحامون ثمنها، كإرغامهم وبقرار رسمي تجاوز عمره السبع سنوات وضع مناخل وواجهات بلور وألمينوم أمام محالهم، أما اليوم فتطالبهم المحافظة بإزالتها مع المطالبة أيضاً بترخيص صحي لكل محل، أحد أوراقه المطلوبة براءة ذمة، تبرئ ذمم اللحامين من كل المبالغ المالية المترتبة عليهم، وبهذا ينبغي على كل لحام أن يدفع مبلغ (12) ألف ل.س إضافة إلى (الإكراميات) كما يقول أحدهم، ويصر اللحامون على عدم ذكر أسمائهم خوفاً من نقمة المحافظة، وهو ما يفوق قدرتهم على التحمل.
غش وتدليس:
ما يتحدث عنه اللحامون من منغصات في سوق يفتقر لمقومات السوق، يبدو جلياً في بنيته المهترئة، وخلوه من الزبائن، بعد أن سقط بعضهم مغشياً عليه، من روائح السوق المغلق، والذي تزين أسقفه شبكات العنكبوت، إلا أن ما يعاني منه سوق اللحوم لا ينفي عنه صفة الغش والتدليس، فرغم صدور قرار يقضي بحفظ اللحوم في واجهة مبردة ومثلجة، يصر معظم اللحامين على عرض اللحمة والرووس والفشة في الهواء الطلق، فيما بعض موظفي المراقبة الصحية التابع للمحافظة يتجولون في أرجاء السوق، المنفلت من كل الأسس والمعايير الصحية ويشاركهم في جولتهم الذباب منتشياً بنكهة اللحمة، حيث ينتقل من ذبيحة لأخرى بحرية تامة.
أول الرقص حنجلة:
وما سبق يثير احتمال الوصول لما هو أخطر، حيث شهدت السنوات الأخيرة غشاً في بيع اللحوم يبدأ بعدم التزام اللحامين بالشروط المفروضة على عملهم من قبل مديرية الشؤون الصحية في محافظة دمشق، حيث أصدرت الأخيرة قرارات ناظمة وفقاً لـ (د. أحمد صرصر) مدير الشؤون الصحية، هدفها توافر الشروط الإنشائية والصحية في المطاعم (القرار 322 لعام 1967) ومحلات بيع اللحوم (القرار 232 لعام 1970) يقول صرصر: (صدرت العديد من القرارات المتعلقة بالتعليمات الصحية الخاصة بهذه المهنة، منها عدم السماح بفتح واستثمار بيع اللحوم النيئة قبل الحصول على إجازة يشترط فيها أن يزود المحل بواجهة بللورية وباب منخل ناعم لمنع دخول الذباب، إضافة للعناية بنظافة ملابس المستخدمين وأجسادهم، كما حظر لف اللحوم بورق قديم مستعمل، إضافة لتزويد والمحل بالمياه النقية...).
إلا أن معظم البنود السابقة لم تلق طريقها إلى التنفيذ لتبلغ عدد الضبوط المسطرة بحق أصحاب محال اللحوم (النيئة) منذ بداية العام الحالي وحتى منتصف الشهر الخامس (47) ضبط تعريض بدون برادات في حين طالت الإغلاقات (8) محلات بسبب مخالفة التعليمات الصحية.
والكلام السابق ينسحب على محال الفروج (النيئ) لينال حصة من الضبوط (47) ضبطاً والإغلاقات (7) مع توجيه (5) إنذارات لأصحاب المحلات في العام ذاته.
يتابع د. صرصر: (معظم الباعة لا يلتزمون بالقرارات، مما يعرض اللحمة لشتى أنواع التلوث).
وصدَّر لاحقاً العديد من القرارات المتعلقة بالتعليمات الصحية الخاصة بهذه المهنة كعدم جمع نوعين من اللحم في محل واحد والتقيد بوزن سيخ الشاورما بحيث لا يتجاوز ارتفاع السيخ 80 سم وقطر 40 سم، على أن يغلق المحل لمدة أسبوع في المخالفة الأولى وتتضاعف مدة الإغلاق في المخالفة الثانية، وكما جرت العادة هناك من خرق القرار على حد تعبير (علي ناصر الدين) معاون مدير الشؤون الصحية في المحافظة.
عتالة وتهريب:
ولعل حزمة القرارات التي أصدرتها المديرية، حاولت قدر الإمكان ضبط سوق اللحمة التي سرعان ما تحولت لتجارة رابحة أكثر من السابق، بعد أن طالها الغش فرغم صدور القرار (رقم 1416 لعام 2002) والذي نص على: (عدم السماح بنقل اللحوم ضمن دمشق إلا بسيارات مغلقة) والقرار (رقم 526 لعام 2003) والذي حدد: (شروط نقل اللحوم بين المحافظات على أن تمهر بخاتم المسلخ حين دخولها دمشق) ينقل اللحم الفاسد بين محافظة وأخرى وبشروط تتناسب وضرورة إخفاء اللحم المهرب في هذا الركن من السيارة أو ذاك، وحتى الشهر الخامس من عام 2008 حررت مديرية الشؤون ضبوطاً مخالفة بحق /30/ سيارة لحمة، يؤكد (معاون مدير الشؤون الصحية) أنها تمد السوق بلحم فاسد لذا يعاقب مخالفو أحكام القرارات سالفة الذكر بالعقوبات المنصوص عليها في القوانين النافذة ولا سيما قانون التموين والتسعير (رقم 123 لعام 1960) يقول: (هناك تشديد على عملية نقل اللحوم والتي يجب أن تمر بمراحل عدة، كأن يتم نقل اللحوم معلقة ويتخللها الهواء ضمن سيارات مبردة مخصصة لهذا الغرض، كما يتوجب على الناقل وعند الوصول مراجعة مراكز المراقبة الصحية البيطرية الموجودة في أسواق الجملة أو في المسلخ الفني بمركز المحافظة المنقول إليه اللحوم، بعدها تتحقق لجان المراقبة الصحية البيطرية من سلامة الذبائح، فإذا ثبت نتيجة الكشف الحسي عليها أنها غير صالحة للاستهلاك البشري، تنظم لجنة المراقبة تقريراً يتضمن كميات اللحوم غير الصالحة للاستهلاك البشري، وتقع المسؤولية على المسلخ الفني الشاحن، والسائق الناقل).
سلخ.. عالماشي:
إغراق السوق بلحوم غير صالحة للاستهلاك البشري، يسبقه مراحل عدة، أكثرها خطورة الذبح خارج المسالخ، ما يعني غياب الرقابة الصحية مائة بالمائة، حيث أشارت المؤسسة العامة للخزن والتسويق (مديرية المسالخ) إلى هذه الخطورة في كتابها الموجه لوزير الاقتصاد والتجارة، وهذا نص الكتاب: (تراجع الذبيحة اليومية بالمسلخ إلى 1600 ذبيحة بينما حاجة دمشق مع المطاعم المحيطة بها هي 5000 – 6000 ذبيحة يومياً، وهذا ما يفسر مظاهر الخلل الواضحة في مجال تداول اللحوم).
ويؤكد (د. فاروق عطوان) مدير المسلخ أن معظم قرارات مديرية الشؤون الصحية متعلقة بخطر الذبح في المسالخ النظامية فقط: (كل من ذبح خارج المسلخ حيوانات معدة للاستهلاك العام يخضع لغرامة قدرها 5000 ل.س عن كل رأس) ولا تطبق هذه الغرامة على أرض الواقع، وهذا ما انعكس برأيه على واقع السوق الذي أصبح يعاني من طرح لحوم ذات قيمة غذائية منخفضة وزيادة ظاهرة الغش والتدليس مثل بيع لحوم إناث العواس، وكأنها لحوم ذكر، عدا عن نقل اللحوم وطرحها في الأسواق بدون رقابة كون الناقل يتهرب من أعين الرقابة الصحية بسبب مخالفة اللحوم المنقولة أصلاً للشروط الفنية والصحية للذبح مع الإشارة إلى أن عملية نقل اللحوم تتركز في محافظة دمشق حيث يوجد بها أسواق كثيرة وغير خاضعة للرقابة الصحية والتموينية وتردها اللحوم مباشرة من المحافظات بطرق غير مشروعة والكلام هنا لـ (د. فاروق).
ومع كثرة القضايا المكتشفة من جهات عدة عن لحوم فاسدة ونافقة في أغلب المحافظات السورية، ككتاب وزارة التموين رقم (900) المتعلق بمصادرة لحوم فاسدة متجهة لمعمل مرتديلا في حلب، (تبين وبعد التحليل أنها أحشاء حيوانية وحيوانات نافقة) تزداد الحاجة لإجراءات مشددة قد تفوق طاقة دوريات الرقابة التموينية بعددها القليل، وبهذا الخصوص تحدث (جورج بشارة) مدير حماية المستهلك في مديرية التجارة الداخلية عن رقابة صحية تخضع لها الأسواق بشكل دوري، مع وجود نية لزيادة عدد المراقبين، وخصوصاً بعد تفاقم التلاعب والغش في أسواق اللحوم يقول: (سطرنا ما عدده 1000 ضبط في عام 2007 بحق محال الفروج واللحوم، وبتعداد 600 ضبط للأولى و400 للثانية، ويومياً نحرر ما عدده 10 ضبوط، يسجل فيها فرم اللحوم بهدف إضاعة معالمها النسبة الأكبر تباع بسعر 100 ل.س للكيلو الواحد، إضافة لبيع لحم البقر بصفة لحم جمل، وبعد تسطير المخالفة يتم إحالة الضبط إلى القضاء المختص ويغلق المحل من 3 أيام إلى شهر).
إلا أن الإنذارات والضبوط، أخفقت في ضبط السوق، لتتربع اللحوم الفاسدة على موائد المواطنين، إذ كثرت الأحاديث في الآونة الأخيرة عن لحوم مهربة تدخل السوق السورية من الهند وهي فاسدة وغير صالحة للاستهلاك البشري وتباع بسعر دولار للكيلو الواحد، في حين تم ضبط مستودع لحوم، في دوما تبين أنها لحم جاموس وسمك مهرب من أمريكا الجنوبية، وطبعاً تفتقر هذه المستودعات لأدنى الشروط الصحية، ومنذ وقت ليس ببعيد كشفت مديرية التجارة الداخلية بريف دمشق عن مستودع يحوي كميات من اللحم المثلج تقدر بـ6 أطنان وهي عبارة عن لحم البلوك، تم تهريبه عن طريق سرغايا من لبنان حيث تم شحنه بسعر دولار للكيلو الواحد ودولار أجرة تهريبه ويباع بسعر 350 ل.س
وفي آخر القضايا ذات الصلة، صادرت مديرية الجمارك في دمشق طناً واحداً من اللحم المهرب، وصلت غراماته المالية بحسب (أحمد عثمان) الموظف في قسم المصادرات: لـ50000 ل.س في حين أرسلت اللحمة للإتلاف كونها غير صالحة للاستهلاك البشري ويؤكد (عثمان) أن هذه الكمية أقل بكثير مما تم مصادرته في المرات السابقة، حيث شهد العام 2007 مصادرات عدة وبكميات كبيرة من منافذ حدودية عدة تعتبر اللبنانية أكثرها تهريباً.
إذاً اللحوم الفاسدة غذاء معظم السوريين ممن يجدون في سعرها الرخيص ملاذاً من سعر كيلو اللحمة المرتفع في حال كان ممهوراً بختم الرقابة الصحية، في حين وجد بعض ضعاف النفوس في تهريب اللحوم مورد زرق يدر عليهم أرباحاً طائلة.. بعيداً عن صحة وسلامة المواطن وبعيداً عن كل ما يتعلق بسلامة تداول الغذاء في السوق السورية.
|